مقالات

لجان التحقيق في العراق.. هروب من المسؤولية أم تغييب الحقائق

د. قحطان حسين طاهر – مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية

التحقيق هو عملية البحث والتقصّي الموضوعي والمحايد والنزيه، لكشف الحقيقة بشأن إسناد الوقائع إلى أشخاص محددين، ومن ثم اتخاذ قرار بمسؤوليتهم بالتقصير لغرض معاقبتهم وفقا لقانون، أو إعلان عدم مسؤوليتهم عن التقصير والمخالفة المتهمين بها.

ويهدف التحقيق إلى بيان العلاقة بين الموظف أو المواطن المكلّف بخدمة عامة، والمخالفة المسندة إليه، وهو إجراء يُتّخذ بعد وقوع المخالفة بقصد الكشف عن فاعلها أو التثبّت من صحة إسنادها إلى فاعل معين، الهدف منه الوصول إلى الحقيقة.

والتحقيق هو إجراء قانوني أولي تقوم به سلطة إدارية أو قانونية مختصة يهدف إلى الكشف عن حقيقة ارتكاب المخالفة أو الجريمة والوصول إلى معاقبة مرتكبها في حال ثبوت تقصيره.

إن التحقيق سواء كان إداريا أو جنائيا هو إجراء معمول به بكثرة وبشكل متكرر في الدولة العراقية خصوصا بعد 2003 انطلاقا من القوانين العراقية النافذة كقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، وقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991، وقانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971، وغيرها من القوانين التي تهدف إلى ضبط مسار العمل الوظيفي والخدمة العامة.

أمّا اللجان التحقيقية فهي سلطة التحقيق في موضوع معين يتمّ تشكيلها من قبل السلطات العليا للنظر في قضية معينة والوصول إلى الحقائق المرتبطة بها، وإن لجان التحقيق عندما تُشكّل يجب أن تعمل وفق شروط وإجراءات قانونية موضوعة سلفاً، ويجب أن تنهي أعمالها في مدة معينة، ويجب أن تُعلن النتائج بشكل واضح ومهني لتتّضح الحقيقة التي ينتظرها الجميع، ولعل من أهم شروط لجان التحقيق هي الحيادية والنزاهة والمهنية في القيام بإجراءات التحقيق بعيدا عن المؤثرات البيئية والشخصية التي يؤدي التأثر بها إلى فشل عملية التحقيق وتعطيل نتائجها، بل وحتى إنهاء التحقيق دون الوصول إلى النتائج المرجوة.

وعندما نحاول أن نراجع عدد اللجان التحقيقية التي شُكّلت في العراق بأوامر من رؤساء السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وتلك اللجان التي شُكلت من قبل الوزراء والمدراء العامين نجدها قد بلغت الآلاف وقد توزعت مهام هذه اللجان مابين قضايا أمنية واقتصادية وإدارية وجنائية، ورغم أن الكثير من هذه القضايا والحوادث قد هزّت البلاد وتسببت بأزمات كبيرة، منها ماهو متعلق بجرائم وانتهاكات خطيرة لمصالح الوطن وحقوق المواطن ومنها مرتبط بعمليات فساد إداري ومالي ألحق الضرر الكبير باقتصاد البلد، ومنها ما يتعلق بالخيانة الكبرى إلا أن عمل هذه اللجان ومسار عملها يحاط بسرية تامّة بدءاً بأسماء أعضائها وآليات عملها والإجراءات التي اتبعتها وإنتهاءً بالحقائق التي توصلت إليها، أما فيما يتعلق بمصداقية الهدف من تشكيلها أساساً، فأن الشكوك تساور الكثير من المتابعين والمهتمين بالمصلحة العامة، إذ يرى هؤلاء إن قرار تشكيل لجان التحقيق ما هي إلّا خدعة تكمن وراءها أهداف غير حسنة تتمثل باستيعاب ردود الفعل الغاضبة تجاه مخالفة أو جريمة يرتكبها مسؤول أو موظف أو مكلف بخدمة عامة.

وبسبب تسارع الأحداث على الساحة العراقية وكثرتها فسرعان ما ينشغل الرأي العام بأزمة جديدة وينسى سابقتها، والأمثلة عديدة على حالات تم تشكيل لجان تحقيق فيها دون معرفة النتائج، وأذكر بعض الحالات التي حدثت في سنة 2018، منها احتراق صناديق الاقتراع في حزيران 2018، وقتل المتظاهرين في البصرة واقتحام مطار النجف، وكارثة نفوق الأسماك في دجلة والفرات، وفضيحة بيع المناصب بين الكتل العربية السنية في البرلمان، وسلسلة الحرائق في عدد من الوزارات العراقية، وغرق سبع مليارات دينار بمياه الأمطار.

ورغم وعود السلطات المختصة بتقديم المقصرين في مختلف الحوادث إلى القضاء، فأن ذلك لم يتحقق ولم تُعلن نتائج التحقيق، ولم يُقدم أحد المتهمين للقضاء لمحاسبته سواء كان فردا أو مؤسسة، فضلاً عن عدم معرفة الأسباب الحقيقية لحدوث هذه الأزمات من الأساس، إن هذا التماهي والصمت والالتفاف الذي يُعطل عمل لجان التحقيق ويحول دون إكمال مهامها جعل العراقيين ينظرون إلى إعلان تشكيل لجان التحقيق كحالة من حالات الفساد، وعملية تهدئة وإسكات للشارع، وتغييب الحقيقة، فأحداث كارثية كسقوط الموصل، وصفقة السلاح الأوكراني الفاسد، وأجهزة كشف المتفجرات، وغيرها الكثير من الملفات أُغلقت وجمد القضاء العراقي والادعاء العام جميع المطالبات بالتحقيق فيها.

وهنا أود تقديم بعض الملاحظات فيما يخصّ لجان التحقيق في محاولة لتفعيل دورها وتحقيق الغاية النبيلة منها:

1- إن لجان التحقيق يجب أن تكون مستقلة استقلالا تامّا في عملها، ويتسمّ أعضائها بالمهنية والنزاهة والاستقامة في سلوكهم كي تتم عملية التحقيق على أكمل وجه.

2- يجب تحصين لجان التحقيق وحمايتها من أي تأثير أو ضغوط أو تهديدات سياسية أو إغراء أعضائها بمنافع مالية، فمثل هذه المحاولات من شأنها شلّ عمل هذه اللجان وضياع فرصة تحقيق الأهداف المأمولة منها.

3- يجب أن تعمل هذه اللجان بشفافية بعيداً عن السرية التامّة وضرورة إعلان الحقائق التي تم التوصل إليها أثناء مراحل التحقيق وصولاً إلى النتائج النهائية لعملية التحقيق.

4- أن لا تستخدم لجان التحقيق كأدوات لتصفية الخصوم من قبل أطراف العملية السياسية، وهذا التوظيف السيئ للجان التحقيق من شأنه إدخال البلد في فوضى كبيرة تؤدي بالنتيجة إلى صراع سياسي ذو طابع قانوني.

5- عدم اللجوء إلى لجان التحقيق كبديل عن القضاء الذي يمتلك صلاحيات النظر في قضايا عديدة والتحقيق بها وإصدار الأحكام والقرارات العادلة، فسحب يد القضاء وقطع الطريق أمامه للنظر في قضايا معينة تكمن وراءه أهداف عديدة أهمها إفلات المجرمين والمقصرين من العقاب كونهم ينتمون لجهات سياسية متنفذة.

6- هناك بعض الحالات التي تُشكّل فيها لجان تحقيق لا تحتاج إلى تحقيق أصلاً لأن معالم التقصير والمخالفة والجريمة واضحة، والحقائق معروفة والأشخاص المسؤولين عن هذا التقصير مشخصين بحكم القانون والعمل الإداري، ويكفي هنا إحالتهم إلى القضاء ليأخذ دوره في محاكمتهم، لا أن يتمّ تشكيل لجان تحقيقية يتمّ فيما بعد تسويف عملها لإعطاء فرصة للمجرم والمقصر لترتيب أوضاعه وشراء الذمم أو حتى الهروب خارج البلد والإفلات من العقاب.

وختاما، فأن القناعة بعدم جدوى لجان التحقيق في العراق قد ساد أوساط المجتمع العراقي على المستوى الرسمي والشعبي، بشكل أصبحت فيه الثقة معدومة بفاعلية هذه اللجان، بل إن مجرد الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيقية في قضية ما، سينظر إليه الشعب العراقي كوسيلة لصرف أنظارهم عن هذه القضية ومن ثم كسب الوقت لطي صفحتها ونسيانها وتضليل الرأي العام عن مجرياتها.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق